الإثنين 17 يونيو 2019 08:36 ص

تُجّار الأرواح.. السفر إلى الموت على قوارب الهجرة لأوروبا

الإثنين 27 مايو 2019 12:00 م بتوقيت القدس المحتلة

تُجّار الأرواح.. السفر إلى الموت على قوارب الهجرة لأوروبا
أرسل إلى صديق

الدكتور محمد الحدب

أستاذ جامعي

الهجرة كانت وما زالت حلم للكثيرين طمعاً في حياة أفضل اقتصادياً، اجتماعياً، وسياسياً. حالياً ونظراً لويلات الحروب ولارتفاع معدلات البطالة في دول العالم الثالث أصبح حلم الهجرة طوق النجاة الذي سيغير واقعهم إلى الأفضل. يهاجرون ويتركون خلفهم واقع مرير وماضي آليم يلاحقهم حتى في أحلامهم، فيظنون أنهم بهجرتهم هذه سيبدأون حياة جديدة في مجتمع جديد لا يعرف أي شيء عن ماضيهم. ونظراً للطلب الكبير، كلفة الهجرة اصبحت باهظة جداً ولم تقتصر على الجانب المادي فقط بل تعدت ذلك إلى المخاطرة بما تبقى لهؤلاء المهاجرين من أيام في هذه الدنيا. هي رحلة قلما ينجو مسافريها من أمواج البحر المتوسط الهائجة، رحلة محفوفة بالخطر والمغامرة ستترك ولا شك ذكريات موجعه وكوابيس مزعجة ستعيش معهم بما تبقى لهم من أيام، هذا إن كتب لهم النجاة.

تبدأ الحكاية مع سماسرة الأرواح الذين سيعبرون بهم البحر إلى شاطئ النجاة، حيث متطلبات السلامة معدومة على قوارب العبور وأعداد الركاب تحدد حسب أموال هؤلاء البؤساء، لا حسب معايير النجاة على قوارب الشؤم التي تكتظ بأشخاص من مختلف الأعمار، الجنسيات، المؤهلات، والديانات. أشخاص يجمعهم شيء واحد إلا وهو العيش في تلك المدينة الفاضلة. إحدى المهاجرات هي أم ثكلى فقدت زوجها وغالبية أبناءها نتيجة للحرب الدائرة في بلادها بين أطراف متنازعة، بلا هدف ولا رؤية واضحة إلّا تدمير البلاد والعباد. قررت هذة الأم الممزقة بجروح الحرب وذكريات مؤلمة لضحكات من مات من أطفالها، أن تنجو بما تبقى لها من عائلة لتعيش بأمن وسلام في المدينة الفاضلة بلد الأمن والحلم والسلام، كما تعتقد ويعتقد الكثيرون.

مهاجر أخر وهو شاب في مقتبل العمر هاجر تاركاً والديه ليبحث عن مستقبل جديد، لم يتردد هذا الشاب في هجر مكان الذكريات، ذلك الحي الفقير في أطراف المدينة، حيث أقمام الزبالة تنتشر في كل زوايا الحي ورائحة الجريمة والبطالة تعم في أرجاء المكان.. لم يكن يعلم هذا الشاب أن والده الشيخ الكهل الجليل لم يعد بأمكانه العمل كما كان في سابق عهده، وأنه اليوم بأمس الحاجة إلى هذا الابن الشاب لكي يساعده في إعالة أشقائه وشقيقاته الصغار الذين يتحدد نوع ومقدار طعامهم كل يوم بمقدار ساعات الصحة والعافية التي يتمتع بها ذلك الكهل الذي أثقلته ظروف الحياة آلماً وحسره. والدة هذا الشاب هي أيضاً لم تنعم بيوم واحد من راحة البال والسكينة منذ اتخاذ فلذة كبدها لقرار الرحيل، لم يعلموا سماسرة الأرواح أن هذة الأم المفجوعة قد رأت ابنها أكثر من مرة في منامها مودعاً هذة الدنيا طالباً منها مسامحته عما سببه لها من لوعةٍ وحزنٍ دائم، لم يعلموا هؤلاء القتلة أنهم قتلوا فرحتها وضحكتها وبسمتها.

وتستمر الحكاية مع رجل وزوجتة قررا الهرب من ديونٍ فاقت قدرتهما على السداد ومن ظروف معيشة ضنكى، هاجرا تاركين ورائهم افواهِ صغيرة جائعة، تاركين فلذات الأكباد وذكريات الطفولة، هاجرا مودعين أطفالهم تاركينهم أمانة عند رب العباد، عل وعسى أن يصلا إلى وجهتهما سالمين، وبعدها يحاولون لم الشمل من جديد. لم يعلم الوالدين المفجوعين أن لحظات الوداع تلك التى كانت تغرق بدموعهما ودموع الحاضرين لربما ستكون المرة الأخيرة التي سيرون فيها أطفالهم.

هناك أيضا على طرف القارب يجلس بحذر مجموعة من الشبان الأفارقة الذين هربوا من الصراع العرقي القائم في وطنهم، هربوا من الفقر وانتشار الأمراض والأوبئة، هربوا من معدلات الجريمة المرتفعة، هربوا من موت محتم وإن طال أمده. ما لبث أن تحرك القارب إلى وسط البحر الّا وقد تعالت أصوات هؤلاء الشبان، ليس طلباً للرجعة، ولكن بسبب قتال شرس دار بينهم نتج عنه قذف بعض هزيلي البنية ليلتقطه قرش البحر. على ما يبدو أنهم لم يعيروا اهتمام لا للمكان ولا للزمان، بل اختلفوا حول ما يدور في وطنهم من اقتتال، اختلفوا حول من هي الطائفة الأحق بالنصر والاحترام، هاجروا وهاجرت أفكارهم معهم.

كل المهاجرين على متن تلك القوارب عاشوا قصصاً مختلفة ولكل منهم حكاية وآلم دفين في الأعماق، كل منهم يعتقد أن الهجرة هي الحل الوحيد للخلاص من الماضي الحزين، ليتهم جميعاً يدركون ويعرفون أن الهجرة هي بداية النهاية، هي الموت البطيء، هي التعاسة الأكيدة، ليتهم سمعوا ممن سبقوهم كيف كانت النهاية.

المصدر: الجزيرة نت